مركز الثقافة والمعارف القرآنية
151
علوم القرآن عند المفسرين
عليه ، أن يخرقه . فاستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها ، طاعة منها له ، ونظرا منها لأنفسها ، ولمن بعدها من سائر أهل ملتها ، حتى درست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها ، لدثورها وعفو آثارها ، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها ، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها . فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية . فإن قال بعض من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمرهم بقراءتها ؟ . قيل : إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة . لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم ، لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة ، عند من تقوم بنقله الحجة ، ويقطع خبره العذر ، ويزيل الشك من قراءة الأمة . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة . وإذ كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع ، تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا . إذ كان الذي فعلوا من ذلك ، كان هو النظر للإسلام وأهله . فكان القيام بفعل الواجب عليهم ، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه ، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك . وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف » . - بمعزل . لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن - مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى - يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة . وقد أوجب عليه الصلاة والسّلام بالمراء فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه